مرحلة جديدة من النفوذ الإسلاموي
بعد سنوات من الانحسار إثر فشل ثورات الربيع العربي، عادت جماعة الإخوان المسلمين إلى المشهد — ليس عبر الانتخابات أو الثورات، بل عبر الأفكار والتعليم والمؤسسات.
يشير تقرير جديد صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) بعنوان « التطرّف الصبور: الوجوه المتعددة لجماعة الإخوان المسلمين » (أكتوبر 2025)، إلى أن الحركة اعتمدت إستراتيجية طويلة المدى تقوم على التغيير الهادئ من الداخل بدلًا من المواجهة المباشرة:
« تخلّت الجماعة عن الجهاد بالمواجهة من أجل الجهاد بالتغلغل — تسعى إلى تغيير المجتمعات جيلًا بعد جيل ».
لم يعد هذا التطرف يدعو إلى القتال المسلّح، بل إلى جهاد ثقافي تدريجي، حيث تحل السيطرة على التعليم والمنظمات والمجال الديني محلّ الثورة المفتوحة.
من الإسلام السياسي إلى الهيمنة الأيديولوجية
في العالمين العربي والإسلامي، غيّرت الجماعة أساليبها: أقلّ سياسيّة، وأكثر اجتماعية.
فبعد سقوط حكم محمد مرسي في مصر (2013) وتراجع الأحزاب الإسلامية في المغرب العربي، أعادت الجماعة تعريف نفسها بوصفها شبكة حضارية أكثر منها حزبًا سياسيًا.
اليوم تستثمر فروعها في المدارس والجمعيات ودور النشر والمنصات الرقمية، ناشرةً خطابًا يبدو معتدلًا، لكنه يخفي هدفًا جذريًا: تطبيع فكرة النظام الإسلامي داخل مؤسسات الدولة المدنية.
إنه ليس الإسلام الجهادي العنيف، بل إسلام مؤسّساتي يستخدم لغة الديمقراطية والإصلاح الاجتماعي كغطاء لمشروع أيديولوجي عميق.
قطر وتركيا: محور النفوذ الجديد
يُبرز تقرير الـFDD أن المحور القطري–التركي بات المركز العصبي لتصدير هذا المشروع الأيديولوجي.
قطر توفّر التمويل والبنية الإعلامية: قناة الجزيرة، منظمة قطر الخيرية، ومراكز الحوار الديني — جميعها تُروّج سرديات المظلومية والمقاومة و”الهوية الإسلامية”.
تركيا في عهد رجب طيب أردوغان تؤمّن المأوى السياسي والدعم اللوجستي، وتستضيف منظمات وشخصيات ووسائل إعلام مرتبطة بالإخوان تبثّ نحو العالم العربي من إسطنبول.
بهذه الشراكة، تشكّل الدوحة وأنقرة تحالفًا ناعمًا من النفوذ لا يفرض الإسلام بالقوة بل يُغري عبر الشرعية، مقدّمتين نفسيهما كصوت “الأصالة الإسلامية” في مواجهة الغرب وحلفائه العرب.
صدام ناعم مع معسكر الإصلاح العربي
في المقابل، تقف دول الإصلاح العربي — الإمارات العربية المتحدة، السعودية، مصر، والبحرين — في مواجهة المشروع الإخواني، لا بوصفه خطرًا دينيًا، بل كتهديد سياسي يهدد استقرار الدولة الحديثة.
ترى هذه الدول أن الإخوان يسعون إلى اختراق المجتمعات تحت ستار الدين، وتقويض مشاريع التحديث والانفتاح.
الإمارات، تحديدًا، تقدم نموذجًا ما بعد إسلامي يقوم على التسامح الثقافي، والابتكار الاقتصادي، والدبلوماسية الواقعية كبديل عن الأيديولوجيا الدينية.
أما السعودية، فتمضي ضمن رؤية 2030 نحو فصل الهوية الوطنية عن المرجعية الإسلاموية، في قطيعةٍ تاريخية مع ماضيها الوهابي.
الصراع اليوم لم يعد بين سنّة وشيعة، بل بين الحداثة والتراجع الأيديولوجي.
جماعة الإخوان تبقى العمود الفقري لكل من يريد أن يبقي الدين أداةً للسلطة.
الشبكة العالمية: التأثير عبر الاحترام الزائف
في أوروبا وأمريكا الشمالية، اتخذ خطاب الجماعة شكلًا أكثر مكرًا.
فمن خلال الجمعيات التعليمية والإنسانية والثقافية، تقدّم نفسها كوسيط للحوار والتعايش، بينما تروّج في العمق خطابًا مزدوجًا:
الاندماج دون الانصهار، الهوية قبل المواطنة، والإيمان فوق القانون.
الخطر لا يكمن في ما تقوله الجماعة، بل في ما تُطبّعه في الوعي العام — تحوّل تدريجي للمجتمعات الليبرالية إلى فضاءاتٍ تخضع فيها الهوية الدينية لهيمنة فكرية يصعب انتقادها.
هذا هو ما تسميه الدراسة « التطرّف المحترم »: ليس عنيفًا، بل متسلّل؛ يستخدم لغة السلام ليُفرّغ مفاهيم العلمانية والكونية من مضمونها.
اللعبة الطويلة للتطرّف الصبور
لم تعد جماعة الإخوان تحلم بالسلطة غدًا، بل بامتلاك الثقافة بعد خمسين عامًا.
صبرها هو مصدر قوتها، واعتدالها الظاهر هو قناعها.
ما كان حركةً ثورية أصبح إستراتيجية حضارية تهدف إلى جعل الإسلام السياسي أمرًا عاديًا، لا استثناءً.
وفي هذا التحوّل يكمن نجاحها الأخطر — وخطرها الأعمق في آنٍ واحد.
الخلاصة
لم تعد جماعة الإخوان المسلمين مشروعًا سياسيًا فقط، بل مشروعًا فكريًا طويل المدى يسعى لتفكيك الحداثة من الداخل.
هي لا تفرض الإسلام، بل تُطبّع الإسلام السياسي كـ”ثقافة طبيعية”.
وهذا ما يجعل التطرّف الصبور أخطر من العنف ذاته — لأنه يتسلّل باسم الاعتدال.
المصدر:
مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)
Patient Extremism: The Many Faces of the Muslim Brotherhood
تاريخ النشر: 27 أكتوبر 2025
https://www.fdd.org/analysis/2025/10/27/patient-extremism-the-many-faces-of-the-muslim-brotherhood/
Pingback: Islamistes sunnites et chiites : l’alliance sacrée ou paradoxale ? Par Faraj Alexandre Rifai. - Tribune Juive