لماذا لا يؤثّر الواقع في الكراهية ضد اليهود؟
تُعدّ معاداة السامية ظاهرة فريدة في تاريخ الكراهية الإنسانية. فهي لا تنشأ نتيجة سلوك واقعي لليهود، ولا بسبب سياسات دولة إسرائيل، وليست نقدًا مشروعًا تَطوَّر إلى حدٍّ مُفرِط.
بل هي ظاهرة مستقلة في جوهرها، متجذّرة بنيويًا في الثقافة والتخيّل الجمعي.
وكما يشير الباحث لارس فيشر، فإن الاعتقاد بأن مصير اليهود مرتبط بسلوكهم هو مغالطة تُفضي في نهاية المطاف إلى اتهام الضحية وتحميلها مسؤولية الكراهية التي تقع عليها.
ليست المعاداة استجابة لوقائع حقيقية
تَبنّي فرضية أنّ سلوكًا يهوديًا ما يؤدّي تلقائيًا إلى كراهية ضد اليهود هو أسطورة مبسّطة. يُسمّي فيشر هذا الطرح «نظرية المطابقة»، أو بالأحرى مغالطة الارتباط: نفترض وجود فعل يهودي ينتج عنه العداء كنتيجة مباشرة.
لكن الأسئلة الحاسمة لا تُطرح أبدًا:
لماذا لا يولّد السلوك ذاته ردّ الفعل نفسه عندما يصدر عن غير اليهود؟
لماذا تُوجَّه الاتهامات حتى في غياب اليهود؟
ولماذا تظهر الكراهية قبل أي معرفة واقعية؟
لأن معاداة السامية ليست ردّ فعل — بل تسبق الحدث والواقع معًا.
الكراهية إسقاط لمخيال مسبق
ذكر الفيلسوفان هوركهايمر وأدورنو في كتابهما جدلية التنوير في الأربعينيات، أنّ معاداة السامية هي شكل من الإسقاط المرضي.
في الإدراك البشري الطبيعي، يُفترض أن تتكيّف الصورة الذهنية مع الواقع.
غير أنّ العكس يحدث هنا:
مهما فعل اليهود — أو لم يفعلوا — فإنّ المعادي للسامية «يرى» فقط ما يعتقد مسبقًا أنّه يعرفه عن «اليهود».
يتحوّل اليهود إلى شاشة تُسقط عليها الجماعة anxiétésها وإحباطاتها وهواجسها.
لا يمكن تفكيكها بالمعلومات وحدها
من الوهم الاعتقاد بأن مزيدًا من المعلومات أو الحِجاج أو الدبلوماسية يمكن أن تُصلح موقف المعادي للسامية.
فالمشكلة ليست نقص المعرفة، بل رفض ما يناقض المخيال الموروث.
لو كانت الحجّة العقلية كافية، لما وُجد معادو السامية أصلًا.
لهذا، فإن مطالبة اليهود بتغيير سلوكهم لتخفيف الكراهية — بأن يكونوا أكثر «خَفاءً» أو أكثر «مثالية»، أو بتغيير سياسات إسرائيل — هو أمر غير مجدٍ، بل ظالم للغاية.
إنه تحميلٌ للضحية مسؤولية عن الكراهية التي تستهدفها.
المسؤولية تقع على الكارهين حصراً
ما زلنا نسمع إلى اليوم:
«إسرائيل تُؤجّج معاداة السامية»
«لو كان اليهود أقل حضورًا، لما كانت هناك كراهية»
هذه حُجّة خطيرة: كلما ازدادت الكراهية ضد جماعة ما، ازداد لومها على الكراهية نفسها.
بينما الحقيقة واضحة:
اليهود لا يُنتجون معاداة السامية.
معادو السامية هم مَن ينتجون معاداة السامية.
الكراهية ضد اليهود لا تكشف شيئًا عن اليهود —
بل تكشف كُلّ شيء عن الذين يكرهونهم.
خاتمة
التخلّي عن الكراهية لبناء مشترك جديد
معاداة السامية سلوك مكتسب — منسوج في بنيات الثقافة والتاريخ والخيال الديني والسياسي لمئات السنين. وإذا كان يمكن اكتسابها، فيمكن أيضًا التخلّي عنها.
لكن ذلك يتطلّب شجاعة أخلاقية ووعيًا تاريخيًا:
الاعتراف بأن المسؤولية تقع حصريًا على من يحملون الكراهية ويروّجون لها.
وهو شرط أساسي لأي مشروع للحياة المشتركة والسلام.
مستوحى من لارس فيشر، «Why Jews cannot cause antisemitism» (مدوّنة تايمز أوف إسرائيل)، ومن تحليل الإسقاط اللاعقلاني لدى هوركهايمر وأدورنو في جدلية التنوير.
🌟 رسالة عشتريت
تعمل عشتريت على تفكيك الأحكام المسبقة الموروثة،
والتخلّي عن الكراهية المتوارثة،
وبناء أسسٍ جديدة للتعايش الواعي والعادل والمحترم.